بيوت الاسكيمو .. عمارة صاغتها الحاجة أم معجزة معمارية؟

رأينا كثيرا أثناء طفولتنا في أفلام الكرتون القبب الجليدية التي كانت تسكنها شعوب الاسكيمو، و تعجبنا من قدرة هؤلاء الناس على السكن في بيوت مصنوعة من الجليد، ألا يبرد هؤلاء؟ طبعا لا، كان يأتينا الجواب. فدرجة الحرارة في داخل هذه القبب هي أعلى من درجة الحرارة خارجها… أو هذا على الأقل ما كان أبي يخبرني به. و عندما كبرت و درست الهندسة المعمارية وجدت نفسي ثانية أمام هذه القبب العجيبة، و لكن هذه المرة بشكلها الحقيقي الذي يختلف قليلا عن شكلها الذي كنت أراه في صغري. و لكن ما أذهلني حقا هو مقدار الفن و الإبداع العلمي و التقني المتواجد داخل هذه القبب.

اسكيمو (1)

تسمى هذه القبب إغلو أو بالانكليزية (Igloo)، لو بحثت عن معنى هذه الكلمة في القاموس فستجد أنها تشير إلى منزل قببي مصنوع من ألواح الثلج يقيم به سكان بعض المناطق المتجمدة مثل كندا و غرينلاند. ولكن لو عدنا إلى أصل هذه الكلمة فإنها تعني المنزل المصنوع من أي مادة، و في حالتنا هذه تعني البيت المصنوع من الثلج. ” عمارة صاغتها الحاجة أم معجزة معمارية” تتكون بيوت الاسكيمو من بلوكات ثلجية مصنوعة باليد أو ضمن قوالب مخصصة لذلك، تلتف بشكل دائري و في تناقص مستمر لقطر هذه الدائرة حتى تغلق على نفسها مشكلة قبة، يتقدم هذه القبة مدخل وحيد صغير و طويل قليلا يضطر الإنسان إلى الجثو على ركبيتيه حتى يستطيع الانسياب إلى الداخل من خلاله، و تزال إحدى هذه البلوكات الثلجية المكونة للبدن بعد انتهاء العمل عليه حتى تشكل مصدرا للإنارة في البيت.

حسنا … أين المعجزة حتى الآن؟

أكثر ما يلفت للنظر بعد الانتهاء من بناء هذا الصرح هو فرق الحرارة الرهيب و الكبير بين الداخل و الخارج، حيث أن الحرارة في الخارج قد تصل إلى 49 درجة مئوية تحت الصفر، بينما تصل الحرارة في الداخل إلى 20 درجة مئوية فوق الصفر. يعود هذا إلى عدة أسباب أهمها عدم تعرض الداخل إلى الرياح الثلجية المتواجدة في الخارج، و تعود أيضا إلى أن الثلج بعد تماسكه يشكل مادة عازلة فعالة بشكل عظيم، و ذلك بسبب الفراغات الهوائية التي لابد أن تتشكل بين البلورات الثلجية. يضاف إلى ذلك أيضا أن الشكل القببي الذي
يتخذه المنزل يساعد على تشكيل أكبر قدر ممكن من الفراغ مع أقل قدر ممكن من السطح، و كما نعلم فإن صغر السطح يؤدي إلى زيادة الاحتفاظ بالحرارة و تخفيض الفاقد الحراري للشكل. و ما يثير الانتباه أيضا أن هذه الحرارة التي يصل إليها داخل المنزل يتم استمدادها فقط من درجة حرارة الموجودين داخله و من تنفسهم المستمر، كذلك من أدوات الإنارة التي يستخدمها القاطنون، سواء كانت النار أم مصابيح الكاز أو أي أداة أخرى. ولكن، ما هو تأثير هذه الحرارة على قوة المنزل و تماسكه؟

بشكل عجيب و مثير للدهشة نجد أن هذه الحرارة تؤدي إلى زيادة قوة المنزل و تماسكه، حيث أنها تؤدي في البداية إلى ذوبان بعض الثلج من داخل القبة، ولكن حرارة الثلج من الخارج و خاصة في الليل تقوم بتحويل هذا الثلج المذاب إلى طبقة جليدية داخلية تغطي سطح القبة الداخلي بأكمله.

داخل القبة يتم تخصيص قسم للنوم مصنوع من الثلج أيضا يرتفع عن الأرض قليلا ليشكل ما يشبه السرير، ولكن لماذا تم تخصيص هذا القسم ورفعه طالما أنه مصنوع من الثلج كما هي الأرض أيضا مصنوعة من الثلج؟ ما الذي يجعله مميزا؟ ما يجعله مميزا هو كما نعرف أن الهواء الساخن يصعد إلى الأعلى دائما مرتفعا فوق الهواء البارد الذي يبقى في الأسفل، ما يجعل هذا الارتفاع البسيط بمثابة أكثر النقاط دفئاً داخل القبة و أكثرها مناسبة للنوم عليه. و تشكل البوابة المنخفضة و الطويلة نقطة العزل الأخيرة للقبة من عوامل الجو الخارجية، حيث أن طولها يساعد في تصعيب مهمة الهواء البارد الداخل إلى القبة كما أن انخفاضها يساعد في تصغير فتحتها التي تشكل اتصالا بين القبة و العالم الخارجي. و تغلق هذه البوابة بواسطة ستارة مصنوعة من جلود الحيوانات.

اسكيمو (2)

“كيف يتم إنشاء هذه القبة؟”

إن عملية إنشاء هذه القبة بحد ذاتها يجعلها ظاهرة معمارية مميزة، حيث أنه يتم إنشاؤها من بلوكات جليدية ترتكز على بعضها البعض بشكل دائري و بدون الحاجة إلى هيكل داعم لها أثناء التنفيذ أو بعده. تبدأ العملية باختيار الأرض المناسبة من حيث الصلابة، و بعدها تبدأ عملية الحفر. تكون عملية الحفر لضمان تواجد المدخل في منسوب أخفض من بقية القبة بحيث يشكل طريقا للتخلص من الهواء البارد في الداخل. تبدأ بعدها عملية تصنيع البلوكات الجليدية و تحضيرها بسماكة 15 – 30 سم و يجب أن تكون قاسية و متماسكة حتى تؤمن أكبر قدر ممكن من الصلابة للمبنى، ترسم دائرة بواسطة اليد لتشكل حدود البناء يتم رصف أول 3 أو 4 طبقات من البلوكات بشكل دائري سليم، ثم تبدأ بعدها عملية التدوير و التناقص في قطر الدائرة (تبين الصورة طريقة تدوير البلوكات).
نلاحظ انه و على العكس من البلوكات الطينية و الإسمنتية لا داعي لاستخدام أي نوع من أنواع المونة بين البلوكات الجليدية حيث أن قوى الاحتكاك و ثقلها تؤمن إلصاقها مع بعضها بشكل جيد بل و حتى أنها تتحد مع بعضها لتشكل كتلة واحدة.

اسكيمو (3)

إن هذه العمارة و على الرغم من إنها موجودة منذ زمن طويل إلا أنها تحقق شروط العمارة العضوية فهي تستخدم مواد من البيئة نفسها، و تحقق شروط العمارة الوحشية حيث أنها تظهر العناصر الإنشائية واضحة و لا تقوم بأي نوع من أنواع التغطية، و تحقق شروط العمارة الوظيفية حيث أن شكلها و إن كان جميلا فهو لتحقيق غرض العزل الحراري و سهولة الإنشاء معا، و تتبع تعليمات مدرسة الباوهاوس بأنها حددت شكلا نمطيا للوحدات السكنية، و ربما فعلت و حققت ما هو أكثر من ذلك أيضا إلا أنه لا يسعني أن أذكر أكثر من ذلك الآن. يقول أندرياس سانيمونياك أحد بنائي الاسكيمو “أن عمارة الإيغلو هي فن يحتضر”، خاصة و أن الجيل الجديد من الاسكيمو قد كف عن تعلم إرث أجداده و ساقته الحياة العصرية وراءها. كما أن المناطق التي تبنى فيها هذه البيوت تعتبر من أكثر المناطق التي تتعرض حاليا لهجمة الحرارة العالمية التي يتعرض لها كوكب الأرض.

Article Photos

No Comments

You have to login/register in order to make interactions


Login